ابن حزم
656
الاحكام
إليهم أبدا ، ويخرج من رأس ماله إن مات ، وهكذا في كل شئ ، وبالله تعالى التوفيق . وشغب بعضهم بأن العامي إذا اختلف عليه الفقهاء فإنه مخير في أقوالهم . قال أبو محمد : وهذا خطأ ، ولسنا نقول به ، وقد بينا هذه المسألة في باب التقليد من كتابنا هذا ، فأغنى عن إعادته ، وموه بعضهم بأن قال : الميتة عين واحدة وهي حلال للمضطر حرام على غير المضطر . قال أبو محمد : وهذا عين الشغب والتمويه ، لأننا لم ندفع نحن اختلاف حكم العين الواحدة على إنسانين متغايرين ، أو في وقتين مختلفين ، بل هذا لازم في كل عين ، فمال زيد حلال لزيد حرام على عمرو ، والاكل في شوال حلال للبالغين العقلاء وحرام عليهم في رمضان ، وهكذا جميع الشرائع أولها عن آخرها . وهكذا كل أحد مرة تلزمه الصلاة إذا دخل وقتها ، ومرة تحرم عليه قبل دخول وقتها ، ومرة يحرم دم زيد ، ومرة يحل ، وإنما أنكرنا أن تكون الميتة حلالا لزيد حراما عليه في وقت واحد ، وأن يكون البيع تاما قبل التفرق بالأبدان ، غير تام قبل التفرق بالأبدان ، والقصاص من القاتل واجبا حراما في وقت واحد ، فمثل هذا الجنون أنكرنا لأنه لا يصدقه ذو عقل ، ولا من به طباخ ، ولأنه شئ لا يقدر عليه أحد ، لأنه يؤدي إلى الوسواس ، وإلى أن يقال لزيد : إن فعلت هذا الفعل فأنت مأجور عليه وفي الجنة ، وأنت آثم عليه وفي النار وفي وقت واحد ، ولا سبيل إلى أن يكون أحد في النار وفي الجنة في وقت واحد ، ولا أن يكون بفعل واحد عاصيا لله عز وجل بذلك الفعل مطيعا له في وقت واحد . فهذا الوسواس أبطلنا لا غيره مما يعقل ، وقال بعضهم : لو كنا مكلفين إصابة الحق لكان تعالى قد نصب عليه دليلا من أصابه علم أنه أصابه ، ومن أخطأه علم أنه أخطأه . قال أبو محمد : والجواب عن هذا : أن أوائل مذاهبنا كلها نحن نقول فيها بذلك ، وأصل مذهبنا أن الاخذ بظاهر القرآن والحديث الصحيح حق ، ونحن على يقين من أننا مصيبون في ذلك ، وفي كل قول أدانا إليه أخذنا بظاهر القرآن والحديث الصحيح ، وأن من خالفنا مخطئ عند الله عز وجل ، ونحن على يقين من ذلك ، لا نشك